ابن جماعة
108
المختصر الكبير في سيرة النبي محمد ( ص )
كان أصدق الناس لهجة ، وأوفاهم ذمة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، جلّ نظره الملاحظة ، وكان أرحم الناس ، يصغى الإناء « 1 » للهرّة فما يرفعه حتى تروى رحمة لها « 2 » . وكان أشد الناس إكراما لأصحابه ، لا يمدّ رجليه بينهم ، ويوسع عليهم إذا ضاق المجلس ، ويتفقدهم ، ويسأل عنهم ، من مرض عاده ، ومن غاب دعا له ، ومن مات استرجع وأتبع ذلك بالدعاء له ، ومن كان يتخوف أن يكون وجد في نفسه شيئا انطلق حتى يأتيه في منزله ، ويخرج إلى بساتين أصحابه ، ويأكل ضيافتهم ، ولا يطوى بشره عن أحد ، ولا يدع أحدا يمشى خلفه ، ويقول : خلوّا اظهرى للملائكة . ولا يدع أحدا يمشى وهو راكب حتى يحمله ، فإن أبى قال : تقدّمنى إلى المكان الّذي تريد . يخدم من خدمه ، ما ضرب خادمه ولا امرأة ولا شيئا قط ، إلا أن يجاهد في سبيل اللّه « 3 » . قال أنس « 4 » : خدمته [ ص / 40 ] عشر سنين ، فما قال لي أف قطّ ، ولا قال لشيء فعلته لم فعلت كذا ؟ « 5 » ولا لشيء لم أفعله ، ألا فعلت كذا ؟ وكان يعود المرض ، ويشهد الجنائز ، وكان أسكت الناس في غير كبر ، وأبلغهم في غير تطويل . وكان أكثر الناس تبسما ، وأحسنهم بشرا . لا يهوله شيء من أمور الدنيا ، ويلبس ما وجد من المباح ، يردف خلفه عبده أو غيره ، يركب ما أمكن ، مرة فرسا ، ومرة بعيرا ، ومرّة بغلة ،
--> ( 1 ) يصغى الإناء : أي يميله . ( 2 ) انظر هذا الخبر في : أخلاق النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) وآدابه لابن حيان ص 58 ، والوفاء بأحوال المصطفى لابن الجوزي 2 / 443 . وانظر صحيح البخاري كتاب 61 باب 23 . ودلائل النبوة للبيهقي 1 / 316 وما بعدها . ( 3 ) انظر أخلاق النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) لابن حيان ص 58 . ( 4 ) هو أنس بن مالك رضى اللّه عنه ، من الأنصار ، أمه أم سليم بنت ملحان ، وقد روى عن النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، وكان أم أنس قد أتت به إلى النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) حين قدم المدينة وهو ابن ثمان سنين ، فخدمه إلى أن قبض عليه الصلاة والسلام ، ودعا له النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) فقال : اللهم ارزقه مالا وولدا ، وبارك له " . انظر المعارف لابن قتيبة ص 308 . ( 5 ) أورد صاحب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان 2 / 608 . قال أنس : خدمت النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) عشر سنين ، فما قال لي : أفّ . ولا لم صنعت ؟ ولا ألا صنعت ؟